السيد محمد باقر الصدر

21

دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )

وأمّا الخطأ فهو أنّ هذا التدرّج لا ينبغي أن يكون منتزعاً من تأريخ علم الأصول ومعبّراً عمّا مرّ به هذا العلم نفسه من تدرّجٍ خلال نموِّه ؛ لأنّ هذا يكلِّف الطالب أن يصرف وقتاً كثيراً في مطالب وأفكارٍ لم يعد لها موضع في العلم بحسب وضعه الفعلي . وإنّما الوضع الصحيح في الكتب الدراسية الذي يشتمل على التدرّج المطلوب هو : أن تتّجه هذه الكتب جميعاً على اختلاف مراحلها الدراسية لعرض آخر ما وصل إليه العلم من أفكارٍ وتحقيقاتٍ ومصطلحات ، ولكن بدرجاتٍ من العرض تختلف من ناحية الكمّ أو الكيف ، أو من الناحيتين معاً ، والاختلاف في الكمِّ يعني التفاوت في المقدار المُعطى من الأفكار ، فبدلًا عن استعراض خمسة اعتراضاتٍ على الاستدلال بآية النبأ - مثلًا - يبدأ في الحلقة الأولى باعتراضٍ أو اعتراضين ، ثمّ يُستعرض عدد أكبر من الاعتراضات في حلقةٍ تالية ، والاختلاف في الكيف يعني التفاوت في درجة عمق ما يطرح من فكرة ، فحينما يراد الحديث عن مسلك جعل الطريقية - مثلًا - يعرض في حلقةٍ ابتدائية عرضاً ساذجاً بدون تعميق ، ثمّ يعمَّق في حلقةٍ لاحقة ، فيعرض على نحوٍ يميَّز فيه بين التنزيل والاعتبار ، وقد يعرض في حلقةٍ أخرى حينئذٍ على نحو المقارنة بين هذين النحوين في النتائج والآثار . المبرِّر الثاني : أنّ الكتب الأربعة السالفة الذكر - على الرغم من أنّها استعملت ككتبٍ دراسيةٍ منذ أكثر من خمسين عاماً - لم تؤلَّف من قبل أصحابها لهذا الهدف ، وإنّما ا لِّفت لكي تعبّر عن آراء المؤلّف وأفكاره في المسائل الأصولية المختلفة ، وفرق كبير بين كتابٍ يضعه مؤلِّفه لكي يكون كتاباً دراسياً وكتاب يؤلّفه ليعبِّر فيه عن أعمق وأرسخ ما وصل إليه من أفكارٍ وتحقيقات ؛ لأنّ المؤلِّف في الحالة الأولى يضع نصب عينيه الطالب المبتدئ الذي يسير خطوةً فخطوةً في طريق